فخر الدين الرازي

130

الأربعين في أصول الدين

وتقريرها : أن نقول : النطفة جسم متشابه الأجزاء في الصورة والشكل . فاما أن يقال : انها متشابهة الأجزاء في الحقيقة ، أو ليست كذلك . وذلك لأن الأطباء يقولون : ان عند استيلاء حرارة الشهوة على البدن يحصل ذوبان لجملة الأعضاء ، فبعضها ينفصل من ذوبان العظم ، وبعضها من ذوبان اللحم ، وبعضها من ذوبان العين ، وبعضها من ذوبان القلب . فهو ان كان متشابه الحقيقة والصورة « 20 » في الحس ، الا أنه مختلف الطبيعة في الحقيقة . فالعظم يتولد مما ذاب من العظم ، والعصب يتولد مما ذاب من العصب . وعلى هذا القياس جميع الأعضاء . إذا عرفت هذا فنقول : ان كانت النطفة جسما متشابه الأجزاء في الحقيقة . فنقول : لا شك أن تأثير حرارة الرخوى المزاج ، وتأثير قوى الكواكب ، بالنسبة إليه على السوية . ومهما كان تأثير المؤثر متشابها ، وتأثير أجزاء القابل في الماهية والطبيعة متشابهة ، وجب أن يكون الأثر متشابها . ولهذا السبب فان الفلاسفة قالوا : شكل البسيط هو الكرة . قالوا : لأن قوة الطبيعة في البسيط واحدة ، والقابل متشابه . فوجب أن يكون الشكل شكلا متشابها . وهو الكرة . ولما دل الحس على كون البدن مركبا من أعضاء مختلفة في الكمية والكيفية والشكل والطبيعة والخاصية ، لزم القطع بأن المؤثر في تخليقها ليس هو الطبيعة ، ولا قوى الكواكب ، بل صانع حكيم مدبر بالقدرة والاختيار . أما على قول من يقول : النطفة وان كان جسما . متشابه الاجزاء في الصورة ، لكنها مختلفة الأجزاء في الطبيعة . فنقول : ان كل مركب لا بد وأن يكون مركبا من أجزاء ، كل

--> ( 20 ) متشابه الصور والصفة : أ .